أحمد بن محمود السيواسي

278

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

يعنيني « 1 » ( أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ) « أن » مفسرة ، لأن إيتاء الحكمة في معنى القول ، أي قلنا له اشكر للّه على ما أعطاك من الحكمة ( وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ ) أي ثواب شكره ( لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ ) نعمة ربه ( فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ) عن خلقه وعن شكره ( حَمِيدٌ ) [ 12 ] أي مستحق أن يحمد في صنعه وإن لم يحمده أحد . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 13 ] وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) ( وَ ) اذكر ( إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ ) وهو لقمان بن باعور ، وقيل : « كان لقمان عبدا حبشيا لرجل من بني إسرائيل في زمان داود عليه السّلام فأعتقه » « 2 » ( وَهُوَ يَعِظُهُ ) أي يأمر ابنه بالطاعة وينهاه عن المعصية ( يا بُنَيَّ ) بالتصغير والإضافة إلى ياء المتكلم بالنصب والكسر « 3 » ، وكان اسم ابنه أنعم ، وكان هو وأمه كافرين فما زال لقمان يعظهما حتى أسلما ( لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [ 13 ] لأنه لا يغفر ويغفر ما دون ذلك أو لأنه تسوية بين خالق كل نعمة وغيرها وبين العاجز عن كل شيء ، وهو ظلم لا غاية له . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 14 ] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) ثم قال تعالى بالاعتراض في أثناء وصية « 4 » لقمان تأكيدا لما فيها من النهي لابنه عن الشرك ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ) أي وصيناه بهما كما وصى لقمان ابنه بالتوحيد والطاعة ، يعني وصيناه الإحسان لوالديه ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ ) أي حال كونها تضعف ضعفا على ضعف ، يعني يتزايد ضعفها بأزدياد الحمل وثقله ( وَفِصالُهُ ) أي مدة فطامه ( فِي عامَيْنِ ) فلا يثبت حرمة الرضاع بعدهما لأن هذه المدة هي الغاية التي لا يتجاوزوا لأمر فيما دونها موكول إلى اجتهاد الأم في الفطام والرضاع ، وهو مذهب الشافعي رحمه اللّه ، وعند أبي حنيفة رحمه اللّه مدة الرضاع ثلاثون شهرا ، وهذه الجملة وقعت اعتراضا بين المفسر والمفسر تذكيرا لحق الوالدة الذي هو أعظم من حق الوالد على الانفراد والمفسر « 5 » قوله ( أَنِ اشْكُرْ ) فإنه تفسير لقوله « وَوَصَّيْنَا » ، ويجوز أن يكون منصوبا به ، أي وصينا الإنسان أن اشكر ( لِي وَلِوالِدَيْكَ ) أي بشكري وشكر والديك ( إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) [ 14 ] قيل : من صلى الصلوات الخمس فقد شكر اللّه ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكر والديه « 6 » ، قال الرسول عليه السّلام لمن قال : « من أبر أمك ثم أمك ثم أمك » ثم قال بعد ذلك : « ثم أباك » « 7 » . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 15 إلى 16 ] وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 ) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) ( وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أراد بنفي العلم به نفيه ، أي لا تشرك بي ما ليس بشيء وهو الأصنام ( فَلا تُطِعْهُما ) في الشرك ( وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا ) صحابا ( مَعْرُوفاً ) حسنا بخلق جميل ، أي بالبر والصلة وحسن العشرة ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ ) أي أقبل ( إِلَيَّ ) بطاعتي وهي سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما أو إن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما ( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) أي مرجعك « 8 » ومرجعهما ( فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ 15 ] أي فأجازيك وأجازيهما على كفرهما ، قيل : نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمه « 9 » ،

--> ( 1 ) هذا مأخوذ عن البغوي ، 4 / 409 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 21 . ( 2 ) عن وهب بن منبه ، انظر السمرقندي ، 3 / 21 . ( 3 ) إن في « يا بني » ثلاث قراءات : الأولى فتح الياء مشددة لحفص والثانية إسكان الياء مخففة لابن كثير والثالثة كسرها مشددة للباقين . البدور الزاهرة ، 251 . ( 4 ) وصية ، و : قضية ، ح ي . ( 5 ) تذكيرا لحق الوالدة الذي هو أعظم من حق الوالد على الانفراد والمفسر ، ح و : - ي . ( 6 ) عن سفيان بن عيينة ، انظر البغوي ، 4 / 410 . ( 7 ) رواه مسلم ، البر ، 1 ، 2 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 19 . ( 8 ) مرجعك ، وي : مرجعكم ، ح . ( 9 ) هذا منقول عن البغوي ، 4 / 410 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 288 .